الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
226
مرآة الرشاد
وعليك - بنيّ - أطال اللّه بقاك ووفقك لما يحب ويرضى - بالاقتصار في صرف العمر في سائر العلوم على مقدار الضرورة ، وصرف باقي عمرك في الفقه ، لما عرفت من كون المقتضي لمحبوبية العلم هو العمل ، والمتوقف عليه العمل ليس الا الفقه ، فان به يعرف أوامر اللّه تعالى فتمتثل ، ونواهيه فتجتنب ، ولأنه معلوم ان الفقه - وهو احكام اللّه تعالى - اشرف المعلومات ، مضافا إلى كونه ناظما لأمور المعاش على وفق الدين ، وبه كمال نوع الانسان ، ولقد أجاد صاحب المعالم حيث أقام البرهان على أهمية الفقه بقوله : ( الحق عندنا ان اللّه تعالى انما فعل الأشياء المحكمة المتقنة لغرض وغاية ، ولا ريب في أن نوع الانسان اشرف ما في العالم السفلي من الأجسام فيلزم تعلق الغرض بخلقه ، ولا يمكن ان يكون ذلك الغرض حصول ضرر له ، إذ هذا انما يقع من الجاهل والمحتاج - تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا - فتعين ان يكون هو النفع ، ولا يجوز ان يعود اليه سبحانه لاستغنائه وكماله ، فلا بد ان يكون عائدا إلى العبد . وحيث كانت المنافع الدنيوية في الحقيقة ليست بمنافع ، وانما هي دفع الآلام فلا يكاد يطلق عليها اسم النفع ، الا على ما ندر منها ، لم يعقل أن يكون هو الغرض من ايجاد هذا المخلوق الشريف ، وسيما مع كونه منقطعا مشوبا بالآلام المتضاعفة ، فلا بد ان يكون الغرض شيئا آخر مما يتعلق بالمنافع الأخروية ، ولما كان ذلك النفع من أعظم المطالب وأنفس المواهب لم يكن مبذولا لكل طالب ، بل انما يحصل بالاستحقاق ، وهو لا يكون الا بالعمل